الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
94
مختصر الامثل
يقول سبحانه في البداية : « ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ » . إنّ هذه الدعوة دعوة عامة لجميع البشر ، فهي تدعو المؤمنين إلى إيمان أكمل وأرسخ ، وتدعو - أيضاً - غير المؤمنين إلى التصديق والإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله ، وهذه الدعوة إلى الإيمان جاءت توأماً مع أدلة التوحيد التي تناولتها الآيات التوحيدية السابقة . ثم يدعو إلى أحد الالتزامات المهمة للإيمان وهي : ( الإنفاق في سبيل اللَّه ) حيث يقول تعالى : « وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ » . إنّ للإنفاق مفهوماً واسعاً ولا ينحصر بالمال فقط ، بل يشمل - أيضاً - العلم والهداية والسمعة الاجتماعية ورؤوس الأموال المعنوية والمادية . ثم يقول تعالى في الحثّ على الإنفاق : « فَالَّذِينَ ءامَنُوا مِنكُمْ وَأَنفِقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ » . إنّ وصف الأجر بأنّه « كبير » إشارة إلى عظمة الألطاف الإلهية والهبات الإلهية ، وأبديتها وخلوصها ودوامها ليس في الآخرة فحسب ، بل في عالم الدنيا أيضاً حيث إنّ قسماً من الأجر سوف يكون من نصيب الإنسان في الدنيا . وبعد الأمر بالإيمان والإنفاق يعطي بياناً لكل منهما ، وهو بمثابة الاستدلال والبرهان ، وذلك بصورة استفهام توبيخي ابتداءاً ، حيث يستفسر عن علة عدم قبول دعوة الرسول صلى الله عليه وآله حول الإيمان باللَّه فيقول سبحانه : « وَمَا لَكُمْ لَاتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ » . يعني أنّكم إذا كنتم مستعدّين حقيقة وصدقاً لقبول الحق ، فإنّ دلائله واضحة عن طريق الفطرة والعقل ، وكذلك عن طريق النقل . وجاءت الآية اللاحقة لتأكيد وتوضيح نفس هذا المعنى حيث تقول : « هُوَ الَّذِى يُنَزّلُ عَلَى عَبْدِهِ ءايَاتٍ بَيّنَاتٍ لّيُخْرِجَكُم مّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ » . إنّ كلمة ( رؤوف ) جاءت هنا إشارة إلى محبته ولطفه الخاص بالنسبة إلى المطيعين ، في حين أنّ كلمة ( رحيم ) إشارة إلى رحمته بخصوص العاصين . ثم يأتي استدلال آخر على ضرورة الإنفاق حيث يقول تعالى : « وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثِ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ » . أي أنّكم سترحلون عن هذه الدنيا وتتركون كل ما منحكم اللَّه فيها ، وتذهبون إلى عالم آخر ، فلماذا لا تستفيدون من هذه الأموال التي جعلها اللَّه تحت تصرفكم بتنفيذ أمره بالإنفاق . ولأنّ للإنفاق قيماً مختلفة وأحوالًا متفاوتة الشرائط والظروف ، يضيف يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 12 ) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ( 13 ) يُنَادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 14 ) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 15 )